مجد الدين ابن الأثير
422
المختار من مناقب الأخيار
عليه السنة والسّنون لا يرون له وجها . وكان طعامه مما يلتقط من النوى ، فإذا أمسى باعه لإفطاره ، وإن أصاب حشفة حبسها لإفطاره . فلما ولي عمر قال بالموسم : أيها الناس ! قوموا . فقاموا ، فقال : اجلسوا إلا من كان من اليمن . فجلسوا ، فقال : اجلسوا إلا من كان من مراد . فجلسوا ، فقال : اجلسوا إلا من كان من قرن . فجلسوا إلا رجلا وكان عمّ أويس القرني ، فقال له عمر : أقرنيّ أنت ؟ قال : نعم . قال : أتعرف أويسا ؟ قال : وما يسأل عن ذاك يا أمير المؤمنين ؟ فو اللّه ما فينا أحمق ولا أجنّ ولا أحوج منه . فبكى عمر ثم قال : بك لا به ، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « يدخل الجنة بشفاعته مثل ربيعة ومضر » . قال هرم بن حيّان : فلما بلغني ذلك قدمت الكوفة ، فلم يكن لي همّ إلا طلبه ، حتى سقط عليه جالسا على شاطئ الفرات نصف النهار يتوضّأ ، فعرفته بالنعت الذي نعت لي ، فإذا رجل نحيل ، آدم شديد الأدمة ، أشعث « 1 » محلوق الرأس ، مهيب المنظر ، فسلّمت عليه ، فردّ علي ونظر إليّ ، ومددت بيدي لأصافحه ، فأبى أن يصافحني ، فقلت : رحمك اللّه يا أويس وغفر لك ، كيف أنت ؟ ثم خنقتني العبرة من حبّي إيّاه ورقّتي عليه بما رأيت من حاله ، حتى بكيت وبكى ، قال : وأنت فحيّاك اللّه يا هرم بن حيّان ، كيف أنت يا أخي ؟ من دلّك عليّ ؟ قلت : اللّه . قال : لا إله إلا اللّه ، سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا [ الإسراء : 108 ] فقلت : ومن أين عرفت اسمي واسم أبي وما رأيتك قبل اليوم ولا رأيتني ؟ ! قال : أنبأني العليم الخبير ، عرفت روحي روحك حين كلّمت نفسي نفسك ، لأنّ الأرواح لها أنفس كأنفس الأجساد ، إنّ المؤمنين يعرف بعضهم بعضا ، ويتحابّون بروح اللّه عزّ وجل ، وإن لم يلتقوا وإن نأت بهم الدار ، وتفرّقت بهم المنازل .
--> ( 1 ) في مختصر تاريخ ابن عساكر : « أشعر » ، أي كثير الشعر ؛ وهو أشبه بالصواب .